عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

95

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

الباب العاشر في الفضائل التي تكتسبها النفس بطريق المحبة اعلم أن المحبة تأثيرها في النفوس الإنسانية اللطافة والصفاء والرقة وسائر الأوصاف المكملة لها التي تستعدّ بها للعروج إلى الملإ الأعلى والاطلاع على أسرار عالم الغيب على ما أشرنا إليه . [ تأثير المحبة في صفاء النفس ورقتها ] أما تأثيرها في صفاء النفس ورقتها فدليله أنّا نجد أجلاف الأعراب رعاء البهم ومن جانسهم من أغشام الأمم وجهّالهم الذين لم يتّصفوا قطّ بعلم ولا حكمة إذا أحبّوا رقّت طباعهم ، وصفت أذهانهم ، وشرفت نفوسهم ، وعلت هممهم ، ولطف إدراكهم . ومن جملتهم مجنون ليلى فإن المحبة أنطقته بالحكمة نظما ونثرا ، وبلغت به غاية لم يبلغها كثير من الناس بالرياضة ، حتى صارت أحواله حجّة على المحبّين ، وأقواله شاهدا على صحّة دعواهم ، ولولا المحبة التي اتصف بها لم يخرج عن أهل طبقته من الجهّال . هذا في هذا الصنف فما ظنّك بذوي النفوس الفاضلة والرياضة الكاملة ! وقد حكي أن بهرام كان له ولد قد عزم على أن يرشّحه للملك بعده ، فنشأ دنيّ النفس ، كليل القريحة ، ساقط الهمّة ، فوكل به أبوه من يعلّمه الحكمة وآداب الملوك ، وكان يسألهم عن أحواله فيخبرونه بما يسوءه إلى أن قال له بعض معلّميه : إنّا كنّا نخاف سوء أدبه فحدث من أمره ما صرنا به إلى اليأس منه ، وذلك أنّه رأى ابنة فلان المرزباني فعشقها فهو لا يهذي إلا بأمرها ، ولا يتشاغل إلا بذكرها ، فقال بهرام : الآن رجوت صلاحه ، ثم دعا المرزبان أبا الجارية وقال له : إني مسرّ إليك سرّا فلا يعدونّك ! ثم أخبره بخبر ابنه وابنته وأعلمه أنّه يريد أن يزوّجها إياه ، ثم قال له : مرها بإطماعه في نفسها ومراسلته